آخر الأخبار :

كيف حارب الإنجليز الجمهورية؟.. الجلاء الذي غير المُعادلة

بلال الطيب
بلال الطيب
2022/12/02 الساعة 01:03 صباحاً

 

 

مَثَّلَ جلاء قوات الاحتلال الإنجليزي (البريطاني) من جنوبِ اليمن نقطة تحول فارقة في توازن القوى؛ فهو من جانب حرم الإماميين من شريان حيوي هام كان يمُدهم بالمال والسلاح، ورفع من جانب آخر - وهو الأهم - معنويات المُقاتلين الجمهوريين، وحفَّزهم أكثر على المُقاومة والصمود.

     

وقبل الوصل إلى تلك النقطة الفارقة، وجب التذكير أنَّه وبعد قيام الثورة السبتمبرية المجيدة 26 سبتمبر 1962م، تحول الإنجليز إلى داعم رئيس للإمام المخلوع محمد البدر، وتجاوز دعمهم التأييد السياسي إلى المُشاركة الفعلية في معارك الثورة المُضادة، وهي الثورة التي وقع الجمهوريون في شِراك تقديرات حجمها، وخطورتها، وكان صمودهم في وجه هجمتها الشرسة أشبه بالمعجزة؛ بل وأصاب أعداء الثورة والجمهورية والحياة في مقتل.

 

جبهتان

     

وفي الوقت الذي كان فيه الجمهوريون يُطاردون الإمام المخلوع من منطقة إلى أخرى، قام الإماميون بِهجومهم الشامل، ومن ستة مَحاور، اثنان منهم انطلقا من الجنوب، وقد انطلق الهجوم الأول من بيحان إلى حريب، وقد كانت الأخيرة من أوائل المناطق الجمهورية سُقوطًا، حيث قامت قوات إمامية تحت قيادة القاضي أحمد السياغي بالسيطرة عليها، وكانت تلك القوات مدعومة من قبل أمير بيحان حسين الهبيلي، المدعوم أصلًا من قبل الإنجليز.

     

ساندت الطائرات الإنجليزية الإماميين، وقامت بقصف مدينة البيضاء 15 أكتوبر 1962م؛ وهو الأمر الذي جعل الرئيس عبدالله السلال يتوجه إلى رداع، ويُشرف على إرسال حملة عسكرية وشعبية قوامها 15,000 مُقاتل، تحت قيادة وزير الإعلام علي محمد الأحمدي، وما أنْ وصلت تلك الحملة إلى عقبة أبلح بالقرب من حريب 5 ديسمبر 1962م، حتى تَسلل عملاء الإنجليز في صفوفها، وقاموا بقتل قائدها.

     

وبدعم من الإنجليز أيضًا، فتح الإماميون جَبهة خامسة، مَسارها من جبال مُريس إلى قعطبة، إلا أنَّ الجمهوريين تَداركوا ذلك الخطر، وكبحوه في مهده، وتولى الملازمان أحمد الكبسي وعلي الضبعي قيادة تلك المهمة، وتحول هذا المحور - كما سيأتي - إلى محور دعم وإسناد لثوار الجنوب، وردًا على ذلك التدخل الإنجليزي السافر، أصـدرت القيادة في أواخر الشهر التالي بيانًا رسميًا اتهمت فيه بريطانيا بالتآمر ضد الجمهورية العربية اليمنية.

 

مُرتزقة

     

وإلى جانب قيامهم بإنشاء مُعسكرات خاصة داخل الأراضي الجنوبية لتدريب القوات الإمامية، قام الإنجليز بتجنيد عددٍ من المرتزقة الأجانب لذات الغرض، حيث قام عضو مجلس العموم البريطاني ذو الأصول اليهودية جوليان اميري بإنشاء مكتب في لندن للاتصال والدفاع عن الامامة، وذلك بعد قيام الثورة السبتمبرية بأسابيع معدودة، وتلقى من الخارج اعتمادات مالية ضخمة، وبدأ اتصالاته ببعض الضباط المحترفين، كان الميجور جون كوبر أبرزهم، توجه الأخير إلى الجوف، وأنشأ فيها قاعدة لاستقبال المرتزقة.

     

وفي أمريكا، وفي ذات الوقت، أُنشئت لجنة خاصة برئاسة ضابط المخابرات الأمريكية السابق روبيرت كونير، وتمثلت مهمتها في إرسال الـمُرتزقة الأجانب إلى معسكر الإماميين، وبأعدادٍ هائلة، وقد أطلق على نشاطها في اليمن تسمية (حرب كونير). وقد يكون كونير هذا هو نفسه كوبر السابق ذكره؛ خاصة إذا ما علمنا أنَّ بعض المراجع التي تناولت أحداث تلك الفترة خلطت كثيرًا في أسماء أولئك الـمُرتزقة، وما اعتمدناه - هنا - هي الأسماء الأكثر شيوعًا.

     

وسبق ذلك، وذلك، قيام عضو البرلمان البريطاني المحافظ، والضابط السابق نيل بيلي ماكلين بزيارات مُتفرقة إلى اليمن، وإلى لمناطق الخاضعة للسيطرة الإمامية تَحديدًا، وذلك بدءًا من شهر أكتوبر 1962م، وبترتيب من قبل تريفاسكيز (أحد المسؤولين البريطانيين في عدن)، الذي بدوره نسق له مع حاكم بيحان حسين الهبيلي، ووصل - أي ما كلين - خلال إحدى زياراته إلى القُرب من مدينة صنعاء، وكون بنفسه فكرة عامة عن سير المعارك، وشاركه ذات المهمة الكولونيل ديفيد سمايلي، وقد قام الأخير بأول زياراته إلى اليمن في منتصف العام التالي، وتحدث عنها وعن زياراته التالية تفصيلًا في كتابه (مهمة في الجزيرة العربية).

     

وفي أواخر عام 1963م قامت إحدى دوريات الهليوكبتر المصرية بإلقاء القبض على شخص كان يسير مُتخفيًا في جبال بيحان، وتم العثور بحوزته على رسائل مُرسلة الى عددٍ من المرتزقة، كان من المُفترض أنْ يُوصلها أولًا إلى مخبأ الأمير عبدالله بن الحسن في خولان، ولم يمض من الوقت الكثير حتى تم الإعلان عن وصول 12 مرتزق بقيادة الضابط الامريكي بروس كندي، فيما استمرت عملية التجنيد في لندن، وتل أبيب، وعدن، وباريس، ومن الأخيرة وصل المرتزقة ميشيل المجنون، وشرام، وبوب دينار، وفولكس، وقد وصل الأجر الشهري للجندي الواحد من 400 إلى 500 جنيه إسترليني. 

     

وتأكيدًا لما سبق، ذكرت إحدى التقارير أنَّ نيل بيلي ماكلين توجه لذات الغرض إلى تل أبيب، والتقى موشي ديان، ورئيس جهاز الموساد أميت مائير، وقد شمل الإنزال الإسرائيلي الأول الذي حضره الميجور جون كوبر (قائد معسكر المرتزقة) حوالي 180 بندقية، و34,000 طلقة موزر، و72 قَذيفة مضادة للدبابات، و68 كيلو من المُتفجرات البلاستيكية.

     

وذكر اورين كيسلر - وهو كاتب ومُؤرخ أمريكي - في مَقالٍ له أنَّ الدعم الإسرائيلي تم بالتنسيق مع المُخابرات البريطانية، وأنَّ الدولة العبرية قامت وعلى مدى عامين بـ 14 عملية نقل جوي، عبر أكبر طائرة نقل خاصة بها Boeing C-97، وأفاد أنَّ إحدى عمليات الإنزال تمت ليلًا، والإمام محمد البدر مُجتمع ببعض المشايخ 26 مايو 1964م، وحين رأى الأخيرون ذلك، خاطبوا بعضهم: «انظروا.. حتى الله يُساعد الإمام!!»، وأضاف كيسلر: «واستكملت عمليات النقل الجوي بنشر عملاء مخابرات الموساد الذين تم القبض على أحدهم من قبل اليمنيين، وتم تسليمه إلى مصر..».

     

وفي ذات الصدد، قال مساعد وزير الدفاع الاسرائيلي شمعون بيريس لأحد المسؤولين العرب في باريس 1963م، أنَّ الدولة العبرية شاركت فعليًا في حرب اليمن، وتولت اسقاط أسلحة وذخائر لجيوب الملكيين، وقامت بإنزال مظلي لحوالي 400 إسرائيلي من أصل يمني، وأنَّ مهمة هؤلاء تمثلت في القيام ببعض العمليات الخاصة في المجهود الحربي، ومن ثم التسلل والذوبان وسط الجماهير.

     

من جهته أفاد الشيخ أحمد إسماعيل أبو حورية أنَّه رأى بأم عينيه أحد اليهود يُقاتل في صف القوات الإمامية بالقرب من صرواح، وأضاف: «وكان هناك شخص لم أعرف وقتها أنَّه يهودي يمني (وكان على رأسه شال شديد السواد، وله بشرة شديدة الحُمرة) إلا بعد أنْ قرأت كتابًا للأستاذ محمد حسنين هيكل يصف فيه اليهود اليمنيين الذي جاؤوا من إسرائيل، ويقومون بالإرشاد كخبراء للتعامل مع الدبابات والألغام، ويُشاركون في الحرب بتقديم المعلومات والإرشادات للطرف الملكي».

     

وكان الغرض من تلك المُشاركة تَوريط مصر في حرب اليمن، وإنهاكها اقتصاديًا وعسكريًا، وقد اعترف - فيما بعد - رئيس جِهاز المُخابرات الإسرائيلية (الموساد) بذلك، وأكد لصحيفة (هارتس) الإسرائيلية الصادرة في 21 فبراير 2000م أنَّه أصدر أوامره لضباط الموساد بمُعاونة الإمام محمد البدر، وأرسل عسكريين إسرائيليين لتدريب القوات الملكية، وللتعرف على القوات المصرية عن قُرب.

 

توجه وطني

      

حددت الثورة السبتمبرية منذ اللحظة الأولى لانطلاقها حقيقة توجهها الوطني كثورة شاملة لا تعترف بالحدود الشطرية، وعبرت عن خطها الوطني المُعلن صبيحة الـ 26 سبتمبر 1962م، كما جاء ضمن أهدافها الستة، أو في بيانها إلى الشعب اليمني، على اعتبار أنَّه شعب واحد يؤمن بالله، وبأنَّه جزء من الأمة العربية.

     

عبر الشعب اليمني حينها عن فرحته بذلك الحدث العظيم، وفي شوارع عدن خرجت الجماهير مُحتفية، وبدأت طلائع المُتطوعين منهم وإخوانهم في المناطق المجاورة تتجه شمالًا، ووصل عددهم إجمالًا إلى حوالي 10,000 مُقاتل، وكان لهم دور رئيسي وفاعل في مَعارك الدفاع عن الجمهورية، وقاموا - وقبل أنْ ينتهي ذلك العام - بإعادة تنظيم أنفسهم في إطار سياسي يُمثل أبناء الجنوب أمام القيادة الشمالية، وسموا تنظيمهم بـ (هيئة تحرير الجنوب اليمني المُحتل)، وقد كان نشاطهم بسبب عدم رضا المصريين محدودًا.

     

بازدياد العمليات العسكرية المـُوجهة ضد الجمهورية الوليدة، بدأ المصريون يفكرون جديًا في إيجاد إطار سياسي يلم شتات الجنوبيين المتواجدين في الشمال، يستطيعون من خلاله تنظيم أنفسهم للقيام بعمليات عسكرية ضد الاحتلال، استغل القوميون العرب ذلك بصورة ذكية؛ وبدأت الحركة التي كان يقودها في الجنوب فيصل عبداللطيف الشعبي، وفي الشمال مالك الإرياني، بدأت تروج لأفكار الكفاح المسلح، وتعد العدة لإنشاء تنظيم مُنبثق عن الحركة الأم، وأجرت اتصالاتها مع قياداتها في الخارج للاتصال بالزعيم جمال عبدالناصر للحصول منه على الضوء الأخضر.

     

جاء الضوء الأخضر، وتوجه قحطان محمد الشعبي من القاهرة إلى صنعاء، وتمّ تعيينه مُستشارًا للرئيس عبدالله السلال لشؤون الجنوب بدرجة وزير، وقد استطاع الأخير خلال فترة وجيزة أنْ ينال ثقة الجنوبيين، عقدوا أكثر من اجتماع، وكان أهمها ذلك الذي عُقد بدار السعادة 24 فبراير 1963م، وحضره أكثر من 100 ثائر جنوبي، ومن هؤلاء جميعًا تشكلت النواة الأولى لحركة التحرر الجنوبية، اتفقوا على توحيد جميع القوى الوطنية في إطار جبهة مُوحدة، واستقر الرأي على تسميتها باسم (جبهة تحرير الجنوب اليمني المُحتل)، وبرز على صدر ميثاقها شعار: من أجل التحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية.

 

كفاح مُسلح

      

حين زارت لجنة تقصي الحقائق المنبثقة عن لجنة تصفية الاستعمار بالأمم المتحدة صنعاء 29 مايو 1963م، نظم الجنوبيون مسيرة حاشدة تحركت من العرضي إلى دار الضيافة حيث تقيم اللجنة، وسلموها مُذكرة تشرح أوضاعهم تحت حكم الاحتلال، وحددوا مطالبهم بالاستقلال.

     

توجهت المظاهرة بعد ذلك إلى منزل الرئيس عبدالله السلال، وسلموه نسخة من تلك المذكرة، وطالبوه بدعم الكفاح المسلح، وفتح مكتب للجبهة، وتعيين قحطان الشعبي رئيسًا لمصلحة أبناء الجنوب حتى تكون له صفة رسمية وصلاحيات قانونية، وقد لبى الرئيس السلال مطالبهم، إلا أنَّ فتح المكتب رفض من قبل بعض القوى.

     

وفي 5 يونيو 1963م صدر بيان جنوبي تاريخي، وتمّ توزيعه في صنعاء باسم قطاعي القبائل، والجيش، تضمن تصميم قطاع القبائل على الدخول في المعركة في جبهة موحدة مع كل الطلائع والقوى الوطنية المُؤمنة بالتحرر الكامل، ورفض أسلوب المساومة وأنصاف الحلول، وكان من ضمن الموقعين عليه الثائر الشيخ راجح بن غالب لبوزة.

     

وفي مُنتصف ذات الشهر عُقد في منزل القاضي عبدالرحمن الإرياني اجتماعًا ضم عددًا من الشخصيات الوطنية، وقد شدد الشماليون فيه على ضرورة فتح جبهة في عمق الأراضي الجنوبية من أجل تخفيف الضغط على الثورة، وافق الجنوبيون على ذلك، وعقدوا في اليوم التالي اجتماعًا قرروا فيه تشكيل لجنة اتصال مهمتها الإعداد والتهيئة للثورة، مكوَّنة من 12 شخصًا، ستة ممثلين لحركة القوميين العرب، وستة ممثلين لتشكيل القبائل. 

     

وفي الأسبوع الأول من يوليو 1963م عُقد في قرية حارات ناحية الأعبوس - تعز اجتماع تشاوري لعدد من أعضاء حركة القوميين العرب، حضره: قحطان الشعبي، وفيصل عبد اللطيف، وسلطان أحمد عمر، وعلي السلامي، وطه مقبل، وسالم زين، وآخرون، وتم فيه الاتفاق على توسيع دائرة التحالفات الجنوبية على قاعدة الكفاح المسلح، وإضافة كلمة القومية لاسم الجبهة.

      

وذكر سلطان أحمد عمر - أحد أولئك المجتمعين - في مُقابلة صحفية أنَّ قيادة الحركة اتخذت في ذلك الاجتماع عدة خطوات حاسمة، أهمها الإعداد للثورة، واختيار جبال ردفان لتفجيرها؛ لأسباب عدها استراتيجية، وهذا يعني أنَّ ساعة الصفر حُددت مُسبقًا، ومن هناك، من جبال الأعبوس.

     

توجه بعد ذلك عدد من الثوار الجنوبيين إلى مدينة تعز، وشكلوا قيادة لتنظيم التعاون مع المخابرات المصرية للإعداد للثورة، وفتحوا مكتبًا لها، ونشروا الميثاق القومي، وبيان مارس كما أقر، ولم يغير فيه سوى اسم جبهة التحرير إلى (الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل)، وتم إعادة نشرهما في صحيفة (الثورة) التي كانت تُصدر من ذات المدينة.

     

تبعاً لذلك، عقد في مدينة تعز اجتماع كبير ظم غالبية ثوار الجنوب الفاعلين 19 أغسطس 1963م، أخذت الجبهة فيه تسميتها الجديدة، وقد اندمجت فيها وتبنت خيارها سبعة تنظيمات سرية، وهي: حركة القوميين العرب، والجبهة الناصرية في الجنوب المحتل، والمنظمة الثورية لجنوب اليمن المحتل، والجبهة الوطنية، والتشكيل السري للضباط والجنود والأحرار، وجبهة الإصلاح اليافعية، وقد التحقت بها ثلاثة تنظيمات أخرى، وهي: منظمة الطلائع الثورية بعدن، ومنظمة شباب المهرة، والمنظمة الثورية لشباب جنوب اليمن المحتل.

     

عُقد اجتماع تعز الموسع بالتزامن مع عودة الشيخ راجح بن غالب لبوزة وأصحابه إلى ردفان، وأثناء مرور الأخيرين بمدينة إب التقاهم المقدم أحمد الكبسي قائد اللواء، والذي كانت تربطه بلبوزة عَلاقات وثيقة جمعتهم فيها أعمالهم القتالية في جبهة المحابشة، طلب الكبسي منه دراسة الأجواء في ردفان للقيام بالثورة، مؤكدًا استعداده لدعمهم، وتدريب كوادرهم.

     

صحيح أنّ يوم 14 أكتوبر 1963م لم يكن يومًا قد حدد مُسبقًا بأنّه يوم الثورة، إلا أنَّ تفجير الثورة كان قد تم الاتفاق عليه، وهذا ما أكده المُناضل ناصر السقاف الذي كان حينها نائباً لقحطان الشعبي، بقوله: «عاد راجح بن غالب لبوزة من الجبهة - جبهات الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر - ومعه مائة مقاتل، وقد سمع بقانون حكومة الاتحاد، وبعد التشاور مع القيادة والحكومة من شماليين وجنوبيين أعلن أنّه سيعود وسيقاوم إذا تطلب الأمر ذلك، أخذنا وعد لبوزة بعين الاعتبار، المهم عاد الرجال إلى ردفان، وطالبوهم بتسليم السلاح، فرفضوا، فنشب القتال».     

     

في اليوم الثاني لاستشهاد الثائر لبوزة 15 أكتوبر 1963م، قام المُناضل صالح علي الغزالي بتحرير رسالة إلى قائد لواء إب، أبلغه فيها نبأ استشهاد الشيخ لبوزة، وما تعرضت له قبائل ردفان من اعتداء بريطاني غاشم، وطلب منه إبلاغ قحطان الشعبي وقيادة الجمهورية في صنعاء بذلك.

     

إمكانيات ثوار ردفان كانت حينها ضئيلة جدًا، ولذات السبب توجهت مجموعة منهم برئاسة القائد بليل راجح لبوزة إلى إب، وتعز، ثم صنعاء طلبًا للدعم والمساندة، وكان أول دعم يتلقونه عبارة عن ذخائر وألغام، وقد تم نقلها على الأكتاف إلى مقر قيادتهم، وقد عمل بليل بعد عودته من الشمال على إكمال مهمة أبيه، نجح في لم شمل القبائل المُتصارعة، بمساعدة مائزة من قبل بعض المشايخ، وهكذا صار أبناء ردفان يدًا واحدة في مواجهة الإنجليز وأذنابهم.

    

زار الرئيس جمال عبد الناصر اليمن 23 إبريل 1964م، وألقى من مدينة تعز خطابًا حماسيًا، عُدَّ نقطة تحول فارقة في تاريخ اليمن المعاصر، وكان الشرارة التي أشعلت حرب التحرير الشاملة، انطلقت بموجبه عملية (صلاح الدين) الذائعة الصيت، وكانت تعز مقرها، وقد شكلت ذات المدينة وقرينتها قعطبة ملاذًا آمنًا لثوار الجنوب، وكانتا بحق مركز دعمهم، ونقطة انطلاقهم حتى تحقق الاستقلال.

 

معنويات هابطة

     

تضاعف الدعم الإنجليزي أثناء الإعداد لحصار صنعاء 1967م، الذي كان يراد منه القضاء على الجمهورية، خاصة وأنَّ مغادرة القوات المصرية بعد نكسة حزيران صار وشيكًا، وشارك ديفيد سمايلي في وضع خطة ذلك الحصار التي أسميت بـ (الجنادل)، وقام جيم جونسون بفتح مكتب في لندن لاستقبال المُرتزقة من عدد من الدول، ومن ثم تجنيدهم وإرسالهم إلى جبال اليمن، وقد وصل عددهم إجمالًا إلى أكثر من 300 مُرتزق.

     

المرتزق الإنجليزي ديفيد سمايلي تعمق أكثر في نقل تفاصيل ذلك، وقال أنَّ وزير خارجية الإماميين أحمد الشامي شارك روجر فالك في تجنيد عددٍ من المُرتزقة المُحترفين، الذين سبق أنْ خدموا في الهند الصينية، والجزائر، والكونغو، فيما قام جيم جونسون في تجنيد ضباط وصف ضباط سابقين في الجيش البريطاني، أغلبهم من قوات الجو الخاصة، وكان يتم نقلهم بمساعدة توني بويل إلى عدن، ثم إلى بيحان الحدودية، وكان حاكم الأخيرة حسين الهبيلي من كبار الموالين للإماميين، هيأ للقادمين الأجانب دارًا آمنة، وسهل نقلهم إلى المناطق الشمالية المُشتعلة بالمواجهات.

     

سمايلي تحدث أيضًا عن رفاقه الضابط الأجانب القادمين إلى جبال اليمن، فهذا صديقه الانجليزي جاك ميلر صارت معنوياته هابطة، وخيبة أمله في الإماميين مُتزايدة، ومع مرور الوقت طال ذات الشعور جميع أقرانه من المُرتزقة البريطانيين، وعلى عكسه وعكسهم كان الفرنسيان بوب دينار، ومساعده جي موريه، فهما ودودان، ومتعاونان، ويعملان من أجل المال، فقد غرست فيهما المعارك والخيانات في الهند الصينية، والجزائر تشاؤمًا راسخًا، واحتقارًا للمبادئ والشعارات، وقد وجد سمايلي تبعًا لذلك التعامل معهما أسهل من غيرهما!

     

ولم يكتف الإنجليز بتجنيد المرتزقة وتسهيل مرورهم إلى جبال اليمن، فقد قاموا أيضًا بتسليح حوالي 20,000 من أبناء القبائل، وأذاع راديو لندن بعد مرور شهر من الحصار أنَّ الملكيين زودوا بأكبر صفقة سلاح قدرت قيمتها بـ 400 مليون جنيه استرليني، بالإضافة إلى المئات من سيارات الوانيتات السريعة الأمريكية الصنع.  

     

والأكثر خسة أنَّ الإنجليز استخدموا سلاحهم الجوي لصالح الإماميين أكثر من مرة، وقد تجسد ذلك التدخل السافر بصورة أعنف عند احتلال الأخيرين لمدينة حريب، وذلك قبل حصار صنعاء بخمسة أشهر.

     

وليس من المُستبعد، كما أفاد جار الله عمر - أحد أبطال ملحمة السبعين يومًا - أنَّ عملية الجلاء هي من دفعت قوى التخلف للإسراع في حصار صنعاء؛ بدليل قيام إحدى الدول العربية بإرسال وزير خارجيتها إلى لندن لحث الإنجليز على تأجيل انسحابهم، حتى تُحسم معركة صنعاء لصالح الإماميين، وقُدم ذلك المُقترح مشفوعًا بعرض تحمل تكاليف بقاء قوات الاحتلال في الجنوب فترة أخرى! غير أنَّ الإنجليز رفضوا ذلك العرض؛ تحت وطأة الخسائر الفادحة التي ألحقها الثوار اليمنيون بجنودهم.

 

مسؤولية وطنية

     

وهكذا، وبعد بطولات مائزة يطول شرحها، تحقق جلاء الاحتلال الإنجليزي، ووصلت الجبهة القومية إلى سُدة الحكم، وبالرغم من أنَّ حكومتها (حكومة الاستقلال) كانت تعاني من مخاض الولادة العسير، إلا أنَّها لم تغفل مسئوليتها الوطنية تجاه صنعاء المُحاصرة، شكلت لجنة مركزية لدعم المُقاومة الشعبية، ودأبت على إرسال كل عون مادي وعسكري مُمكن.

     

والأكثر أهمية أنَّها - أي الجبهة القومية - أوفدت لجنة من قبلها إلى شمال اليمن، لمعرفة الأوضاع السياسية والعسكرية عن قُرب، وعن تلك اللجنة قال الشيخ سنان أبو لحوم أنَّ السلطات في الجنوب أوفدت إلى الحديدة عبدالرحمن العبسي، وذلك في منتصف يناير من العام 1968م، ومعه عدد من الشباب، و25,000 طلقة شرفا. في حين قال القاضي عبدالرحمن الإرياني أنَّ الأستاذ عبده عثمان هو من أقنع قادة الجبهة بتقديم تلك المساعدة، وأنَّ تلك المساعدة تكونت من 15,000 طلقة ذخيرة، و25,000 جنيه استرليني.

     

كما قامت الجبهة القومية بملاحقة العناصر التي كانت تدعم الإماميين، وتصفية من ثبت تورطهم، مثل العميل علي صالح فدامة 3 يوليو 1967م، وآخرين، وقامت أيضًا بإصدار البيانات السياسية الداعمة، وكان بيانها المُساند للمُقاومة الشعبية هو الأشهر 20 يناير 1968م، وأكد - أي ذلك البيان - أنَّ مرحلة جديدة من الكفاح الثوري بدأت، وإنَّ دعم المُقاومة الشعبية يعد تصحيحًا لواقع الشمال، وتلبية لاحتياجات الجماهير الكادحة.

     

كما قامت الجبهة القومية بحشد المواطنين للانخراط في صفوف المقاومة الشعبية، وتحركت الجماهير في شوارع عدن بمسيرات غاضبة، وكان شعارهم بادئ الأمر: (كل شيء من أجل حماية صنعاء)، وبعد مرور شهر من بدء الحصار تحول إلى: (كل شيء من أجل فك الحصار عن عاصمة شعبنا التاريخية)، وكلاهما كانا امتداد لشعار: (الجمهورية أو الموت) الذي عم صداه الأرجاء.

      

وعلى ذات المنوال التحفيزي، أرسلت الجبهة القومية حوالي 450 من مُقاتليها للمُشاركة في ملحمة الدفاع عن العاصمة والجمهورية، لتتجسد مُساهمة الجبهة الفاعلة في ذات اليوم الذي فُك فيه الحصار عن صنعاء 8 فبراير 1968م، حيث قامت قوة من الجيش الجنوبي، والمليشيا الشعبية، مع قوة من الجيش الشمالي بالهجوم على القبائل الموالية للإماميين في المناطق الشرقية، واستطاعت فيما بعد أنْ تُحرر مدينة حريب، وتعيدها لأحضان النظام الجمهوري.

     

كما كُلف في الجانب الآخر قائد لواء إب بالتواصل مع قائد منطقة الضالع علي عنتر، وطلب العون بما هو متاح. وهكذا حظي المُقاومين الشماليين بدعم إخوانهم الجنوبيون، وعبر جغرافيا كانت حتى الأمس القريب مُحتلة، وتقف إلى جانب عدوهم، عدو كل اليمنيين.